الرئيسية 1 أخبار 1 (الإنسان بوصلة تائهة )……. عمر ممدوح

(الإنسان بوصلة تائهة )……. عمر ممدوح

ابتدأ علماء النفس وأطباؤها يقرون أنّ هناك خطأً أساسياً في الطبيعة البشرية يقول بعضهم أنّ المشكلة ناتجة من القصور وعدم النضج، ويقول البعض الآخر أنها واقع قررته الوراثة والبيئة أما الفريق الثالث فيقول أنها ضعف بنيوي في الجسم والعقل .
ويتبادر إلى أذهاننا دائماً هذا السؤال وهو أين يكمن سبب هذا الخلل الذي يمر به العالم ويسير به إلى الهاوية وقد وصل العلماء والفلاسفة إلى قناعة أنّ هذه العلة هي في الإنسان نعم الإنسان , لذلك فهو بحاجة إلى تغيير جذري بل إلى ولادة جديدة . يقول وليم كارلوس وليامز: ” ظل الإنسان باقياً حتى الآن لأنه من فرط جهله لم يكن قادراً على تحقيق رغباته ,والآن وقد بات قادراً على تحقيقها , عليه أن يبدلها أو يهلك “.
ألا يأخذنا هذا القول إلى التفكير ملياً في هذا العالم، فإذا ما نظرنا للوهلة الأولى إلى منطقة متخلفة لشاهدنا بدون شك أنهم يعيشون حياة بدائية تسود ما بينهم الكراهية والقتل والعنف وعدم احترام الآخر إلى جانب حروب تنشب فيما بينهم وسنطلق حكمنا الغير قابل للنقاش وهو أنهم متخلفون بدائيون بعيدون عن الحضارة ولكن ما الفرق بين هؤلاء الهمجيين البدائيين المتخلفين وبين تلك المجتمعات التي تدعي الحضارة ألا تسود بينهم صفات الكذب والخداع والنفاق والقتل والأكثر من ذلك هي أنّ أبشع الحروب التي نشبت في هذا العالم كان فاعلها تلك الدول التي تدعي الحضارة .
هل سنطلق حكمنا بهمجية هذه المجتمعات أيضاً، فلا فرق بين تلك المجتمعات المتخلفة وبين المجتمعات التي تدعي الحضارة .
أين هي المشكلة إذاً ؟ المشكلة هي لدى الإنسان .
هل أصبح من الصعب على الإنسان أن يكون إنساناً ؟.
لدينا إدراك ثابت غير قابل للجدال أنّ الإنسان يملك العقل الذي يميزه عن باقي الكائنات الحية على الأرض هذا الدماغ العالي التطور القادر على التفكير المجرد واستخدام اللغة والنطق والتفكير الداخلي الذاتي .
كما أنّ الأديان السماوية وغير السماوية أعطت قدسية ومكانة مميزة للإنسان ونذكر هنا ما ورد في القرآن الكريم فأول ما يلفت النظر أنّه يعرف الإنسان بذاته ويوقفه على ماهيته بقوله تعالى :
“إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشر من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين “.
ولم تبتعد الأديان الأخرى عن هذا المفهوم للإنسان، كذلك المنظمات الدولية والمواثيق العالمية أكدت على أهمية احترام الإنسان ، ولكن هل استطاع الإنسان أن يكون أميناً لهذه الثقة التي منحت له؟ يبدو أنّ كل شيء في عالمنا يتحسن ماعدا الإنسان . يقول ” كارل يونغ: “إن كل الخطايا البدائية القديمة لم تمت لكنها رابضة في الأركان المظلمة لاتزال جاثمة هناك ولاتزال مرعبة وبشعة كما كانت منذ الأزل “.
إن شهادات كثيرة كهذه صدرت عن رجال عظام وما نراه كل يوم من فظائع ودمار يرتكبها الإنسان يجعلنا نشك في قدرة الإنسان على تغيير سلوكه، بل نذهب إلى أبعد من الشك لنسأل هل هو عاجز كلياً عن تغيير ذاته ؟ لقد جرب على مر العصور الوسائل الدينية والثقافية والخلقية والتهذيبية وفشل.
فهل أصبح من المحتم على الإنسان أن يرفع الراية البيضاء دلالة الاستسلام لواقعه بل قناعة كاملة منه على أنه ليس جديراً بذلك الدور الذي وكل به .
ولكن هل هذه القدسية التي سردناها مسبقاً عبارة عن وهم لكائن أثبت عبر التاريخ فشله ؟
في قناعتي لا، هذه القناعة طبعاً لم تأتي بضرورة الأمل ,الأمل في أن نرى يوماً ما إنساناً مدركاً لدوره .
بل جاءت من فكرة أنّ هذه القدسية لم تأتي عن عبث، لذلك لابد أن يكون هذا الإنسان قادر على أن يضطلع بدوره الريادي الفعال لإزالة تلك المخاوف التي تنتاب البشرية قاطبة، كما أن الصراع الأزلي بين محوري الخير والشر ما هو إلا دليل على وجود نواة الصلاح في الإنسان , قد لا نبالغ إذا قلنا بأن هذا القرن قد يكون الامتحان الأخير للإنسان لذلك علينا أن ندرك ضخامة التحديات التي تواجهنا، كذلك الخطر المميت المتمثل بعدم تعديل سلوكياتنا وعدم ارتفاعنا ذهنياً وخصوصاً خلقياً إلى المستوى المطلوب في مرحلة التطور هذه التي وصلنا إليها .
فالإنسانية ما كانت في يوم من الأيام أكثر حاجة إلى تضامن فعلي لمواجهة الأخطار العديدة التي تحاصرها وهي أخطار هائلة ناتجة عن تقدم العلم والتكنولوجيا والديموغرافيا و الاقتصاد وتهدد بأن تبيد خلال القرن الحالي كل ما تم بناؤه منذ آلاف السنين .
فإما أن يكون هذا القرن بالنسبة إلى الإنسان قرن التقهقر، وإما أن يكون قرن الصحوة ،فالإنسان اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى أن يمارس دوره في حدود احترام الآخرين احترام قيمه ،ينبغي لنا أن نخترع مفهوماً جديداً للعالم لا يكون مجرد ترجمة للأفكار السابقة، مفهوماً يسمح لنا بالابتعاد عن الهاوية التي نسير اليها علينا أن ندرك بأن ما يتوجب علينا وإن كان كبيراً إلا أنّ القدر قد اختارنا أن نكون في هذه الفترة وعلينا أن نعي ذلك ونعرف ما يتوجب علينا القيام به ونساهم في مشروع الإنقاذ بحكمة وصفاء ذهن.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *