الرئيسية 1 أخبار 1 الانهمار إلى السماء … بقلم الفنان التشكيلي علي مراد

الانهمار إلى السماء … بقلم الفنان التشكيلي علي مراد

زاوية منفرجة 

صوت الأكراد – تشرين الأول2018

.

حين يتفرّع هذا المسلك أو ذاك إلى أجزاءٍ مجزأةً فهذا يعني وبالتأكيد أنَّ الذي أجمعهُ قد ذهب شتاتـًا.

فلكل منا أحلامه، لكل منا أمانيه، فليدرك المارد أنَّ الله ما أتاه إلا كي يكون مخالفـًا للبشر.

التراب… فلسفة بحتة، فليس بمقدوري أن أكتب عن التراب وليس بمقدوري أن أرسم لوحة له، ولكن ربما كان باستطاعتي أن أرسم شيئـًا يدل عليه – هضبة كانت أو بيتاً طينيًا منتصبًا لا يأبه لكل هذا الاسمنت المسلح أو ربما جداراً يحمل في تركيبته الترابية مشاهد من ماض سحيق وغابر. إنه ليس حائط المبكى أو جدار برلين أو جدار الفصل إنما هو الشرنقة التي تظل تتطور وتتطور إلى مالا بلوغ.. إلى ما لا نهاية.

ابتداءاً من مدينة “أور” والتي يعود تاريخها إلى سنة 3300 ق.م وببنائها تم تدشين عصر أول حضارة مدنية والذين اعتبروا أول من ابتكر “الطابوق” كوحدة معمارية مصنعة بدل الحجر وهو القرميد المشوي، والذين بدورهم ابتكروا وأبدعوا في بناء “الزقورات” أي المعابد وقد استلهم المصريون منها أهراماتهم وهياكلهم الأولى.

فالتراب هو وحدة الألوان مع الروح ففي الديانات السماوية وحتى القديمة جداً حاولوا جاهدين أن يخلقوا للتراب مكانة لا يضاهيها أي شيء وذلك حين نسبوا البشر إلى التراب، محاولين أن يثبتوا أن التراب هو جدنا الأكبر.

ربما الآن أكون بعيداً عن هذا المركـّب الغامض لكني أحس دائماً وأراني متمرغاً فيه حتى جبهتي.

تسكننا الخبايا، تسكننا في عقلنا الباطن، أو في المنطقة المظلمة من عقولنا، -ممسوسون نحنُ- مسكونون بأرواح أجدادنا التي لا تريد أن تتركنا لهذا العالم الملطخ بالإسمنت والإسفلت.

يدفعنا إلى التلوّن به أو حتى التيمم، وذلك كي يبرهن على صحة المعادلة عند جميع الأديان التي ظهرت حتى الآن بقدسية التراب، وحتى تدخله في تشكل الروح في بعض الديانات القديمة.

إنه عجوز… عجوز جداً فعمره يناهز عدد حباته اللامتناهية فماذا بمقدورنا أن نوصف هذا المركب السامي.

دائماً ما يراودني في أحلامي صورة “أوركيش” والتي هي مسقط رأسي تلك الهضبة الشامخة التي تروي حكايا أجدادي الحوريين الذي صبغوا هذه المنطقة بصبغة عظيمة وهي التمسك بهذا التراب والذي أصبح لغزاً لم نستطع أن نفك رموزه حتى الآن.

وهم الذين عقدوا اتفاقاً ومعاهدة على ألا يبرحوا هذا المكان وهذا التراب المسكون بالآلهة، ربما تسكعتُ على طرقات الإسفلت كثيراً وربما آواني هذا الإسمنت كثيراً ولكن أحسُّ بأن حفنة من تراب عامودا تتسكعُ في دمي.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *